الرياضة.. كأولوية في الحياة

قبل أن انتقل للعيش في السويد، كنت أمنّي نفسي بالكثير من الأشياء ومن ضمنها، ممارستي للتمارين الرياضية. فكنت أحلم بطبيعة خضراء أمشي فيها، وممشى مرصوف جميل مهيء لهذا الغرض. المُضحك في الأمر أن في منزل والدي جهازا للمشي (treadmill)، ورغم أنني كنت أحاول جاهدة أن أمارس رياضة المشي عليه، إلا أنه لم يكن في روتيني اليومي وكنت أتبع رغبتي ومزاجي في ذلك. حتى بعد قدومي إلى السويد، وبعد أن أصبح بإمكاني أن أذهب إلى تلك الغابة الجميلة،  وبعد أن اصبح هنالك ممشى مرصوف مخصص لهذا الغرض، بل وحتى أن هناك من يمارس الرياضة من كافة الاعمار وهذا كفيل بتشجيعي. لكن حالي بقي على ما هو عليه، مرات متفرقة في ايام متفرقة، فلم أجد أن المكان هو الاساس المحرك بل هي الارداة، وهذا كان الدرس الأول الذي تعلمته.

مرت سنة الا عشرة ايام بالتمام. أذكر ذلك التاريخ جيدا ٢٠/٤/٢٠١٤، قررت يومها أنني سألتزم بشكل شبه يومي بأن امشي من بيتنا وأكمل الى ما حول البحيرة القريبة منه. ووجدت لاحقا أن المسافة تبلغ ما يقارب أربعة كيلو مترات. في
أسوء الأحوال وأصعبها لم أكن أتنازل عن ثلاثة ايام اسبوعيا وفي احسن الاحوال كنت امشي ستة أيام، وهوما كان غالبا.

ما الذي اثار فيّ ذلك الحافز بلإلتزام؟ تحديدا هي فكرة بسيطة، إن لم استطع أن انتصر على نفسي بأمر بسيط كهذا. فكيف أدعي أنني سأتحمل عظام الأمور وأجلها. أليس أولى بي أن التزم الصمت؟ هذا من ناحية الالتزام. أما من الناحية الصحية فكنت أسعى لأن أكون أقوى من الناحية الجسدية، كنت أسعى لان يكون عندي قدرة اقوى للتحمل، قلب صحي وطبعا جسم نشيط.

هل كان الإلتزام بهذه البساطة، لا طبعا. فكان لدي دوام خمسة أيام في الجامعة، عدا عن دوامي لمدة ثلاثة أيام في مدرسة اللغة، بلإضافة الى مسؤولياتي في البيت وما الى ذلك. أذكر أنه كانت تمر عليّ فترات اعود فيها من دوامي، احضر الطعام والبس ملابسي وحذائي الرياضي وأخرج. لم أكن اسمح لنفسي بالتفكير، فمجرد تفكيري بالسرير لم أكن لأجد الطاقة ولا القدرة على الخروج.

هل هو تعذيب، لا طبعا. بل قمة السلام الداخلي. كنت افرغ كل الشحنات السلبية في داخلي. المناظر الجميلة والهواء النقي كانا كفيلان بأن يعيدا التوازن اليّ. وقد لاحظت الفرق عندما يمر يوميان دون خروجي من المنزل فأجد أن شيئا ما مفقود، وما أن أخرج وأشم الهواء النقي حتى أعي ذلك.

مما أثار فيّ العجب، انني كنت اتمنى أن استطيع الاستمرار في رياضتي حتى في شهر رمضان. لكني لم أكن لاحمل نفسي ذلك العناء وانا أعلم ان الصيام طويل وتصل ساعاته في المدينة الي نسكن فيها الى ما يقرب العشرون. لكنّي بفضل الله استطعت ان التزم. وقد منحتني الرياضة المزيد من النشاط والقوة على عكس ما كنت اتوقع!

بالمناسبة، في البداية كنت أرى بعض نظرات الاستعجاب من السويديين، خاصة وأننا نقطن في منطقة خالية من الأجانب. وليس مألوفاً لديهم ان يروا فتاة مسلمة تمارس الرياضة، فيندر ان ارى انا ايضا اي امرأة محجبة في الغابة التي اتمشى فيها. فكانت فرصة لي ان امارس رسالتي كمسلمة تهتم بصحتها وتريهم اننا لسنا منعزلين عن العالم.

المرة الوحيدة التي انقطعت فيها عن ممارسة هذا الالتزام هو عندي زيارتي لاهلي في فلسطين لمدة اربعين يوماً. ولا يعني ذلك اني لم امشي قط، بل ما اقصده هو روتين يومي يضفي طابع الالتزام. ولهذا اكتب تجربتي اليوم، فقد وصلت الى مرحلة من الاعتياد لكي أظن ان اي شخص يستطيع ان يفعل ذلك. لكن عند عودتي وجدت أن الأمر ثقيل، ويحتاج الى ارادة قوية وصلبة.

إن كان هناك ما تغير فيّ بعد هذه التجربة، هو ازدياد وعيي بأهمية إضافة الرياضة كاولوية في الحياة، وأنا أرى أننا كمسلمين مقصرين جدا ناحية هذا الأمر. عدا عن ان المشي وحده ليس برياضة كافية لانها تحرك فقط عضلات القدمين وتقويهما، لكن ماذا عن باقي عضلات الجسم؟
لذلك احاول إضافة تمارين اللياقة كالتزام أيضا، وما زلت أجاهد نفسي في موضوع الأكل الصحي والتقليل من الأغذية المُصنعة (processed food)، وعندما انتصر على نفسي، لربما سيكون لي حديث اخر.

في النهاية، أدعو كل فرد مسلم أن يجعل الرياضة كأحد أولوياته في الحياة، ويهتم بها كما يهتم بفروضه الاخرى. لأنها صحة ليست للجسد فقط بل للعقل والروح.

Advertisements
هذا المنشور نشر في Uncategorized. حفظ الرابط الثابت.

2 Responses to الرياضة.. كأولوية في الحياة

  1. آية شقيرات كتب:

    جميل هذا الإدراك الواعي
    لغة راقية وسلسة 🙂

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s