ما الذي جعل تجربتي في الحمل إيجابية؟ (١)

مقدمة:
الأمومة غريزة فطرية استودعها الله فينا نحن الإناث، منا من تكتشف هذه الغريزة مبكراً ومنا من تكتشفها لاحقاُ كما حدث معي. سأتحدث في هذه التدوينة والتدوينات اللاحقة عن تجربتي ما قبل الحمل وخلاله .

التخطيط للإنجاب:

في مجتمعنا عادة، ما أن تتزوج الفتاة، حتى تنهال عليها الاسئلة بعد فترة من الزواج، “في إشي على الطريق ؟” وكأن أمر انجاب الاطفال مباشرة هو أمر حتمي، وليس هناك أية خيارات أخرى.

في الحقيقة يعجباني من “يقرران” أنهما يودان إنجاب طفل لأنهما فعلا يريان أن هذه الخطوة هي قرارهما الشخصي وأنهما مستعدان لتحمل تبعاتها وليس لأنه قرار نابع من الخوف أو الضغط المجتمعي. وأود أن اؤكد أنني لا أحكم على قرارات الاخرين، لكن أرى بأن كل منا يقرر ما يناسب وضعه الاجتماعي والنفسي وحتى الإقتصادي. وأن عدم إنجاب الأطفال في الفترة الأولى من الزواج ليس محصوراً فقط بسبب “عدم قدرة أحد الزوجين على الإنجاب كما يفترض المجتمع!”

بعد الزواج، هناك الكثير من التغيرات التي تحصل، إنتقال لبيت جديد مع شخص مهما كانت معرفته قوية إلا أن تجربة العيش في منزل واحد مختلفة. عدا عن الكثير من المتغيرات الجديدة من تعامل مع ناس جدد ومسؤوليات إضافية. كلها تتطلب طاقة وجهد لفهمها وتقبلها ومعرفة كيفية التعامل معها. وأرى أنه من الأولوية للشريكين أن يركزا في بناء أساس قوي ومتين لعلاقتهما قبل البدء “بتكبير” مشروعهما. التغيرات النفسية التي تحدث للمرأة الحامل يمكن أن تؤثر على سير العلاقة، فهي تجعل المرأة حساسة وعاطفية جدا. وبذلك يمكن أن تتشوش عليها حكمها على الأمور، فهي لا تميز هل هي تشعر مثلا بالحزن بسبب تغير الهرمونات في الحمل، أم لأنها فعلا غير سعيدة مع زوجها؟ أما من ناحية الرجل، فهو لا يستوعب لماذا تغيرت حبيبته وشركيته، ويبدأ بالتساؤل هل هي هكذا بسبب الحمل أم لا؟ لذلك ففكرة تأجيل الإنجاب على الأقل للشهور الأولى من الزواج، تساعد الزوجين على “تمييز” التغيرات التي يتسبب بها الحمل.

هذا من الناحية النفسية، أما على الصعيد الأخر، فهناك أسباب اقتصادية، فكلنا يعلم كم يصرف الشاب لكي يتزوج ويؤسس لحياته! بداية من تكاليف الزواج حتى تجهيز عش الزوجية. وأسباب أخرى كعدم التفرغ، والدراسة، صغر السن وغيرها.

أما أسبابنا الشخصية ـ بما أنني اتحدث عن تجربتي- ، فكنا نرى بأن الأولوية أن نستثمر أنا وزوجي سنتنا الأولى في بناء علاقة صحية وسليمة. عدا عن خوضي تجربة الغربة، وهي بحد ذاتها نقلة نوعية في بلد لا أعرفها ولا اتحدث لغتها وليس لي فيها دائرة اجتماعية! وعندما أنظر الان الى الفرق بين بداية مجيئي للسويد وبين وضعي الان حيث أستطيع ان اتدبر جميع احتياجاتي بنفسي. أرى أن الأمر كان يستحق الانتظار، فقد كانت لدي الفرصة لأكمل تعليمي، أتعلم أساسيات اللغة، أستكشف المدينة وأكون دائرة اجتماعية فيها. كل هذه الفرص كانت ستكون محدودة  ولم تكن لتتاح لي لو كان لدي طفل، وكنت سأشعر بالضعف أكثر. وفي خضم كل هذه التغيرات، لن أكون جاهزة نفسياَ لأصبح أماً، حيث كان لدي تصور عن أسرة أطفالها مميزون، لكن كيف؟ لا أعلم! هي فقط صورة ضبابية 🙂

وأخيرا أحب أن اضيف سبباً آخر لم أكتشفه إلا مؤخرا أي بعد مروري بتجربة الحمل. لاحظت أن فكرة الطفل بدأت تأخذ كثيرا من حيز علاقتنا، سواء بالحديث عن الحمل، توقعاتنا وحتى التجهيز له/ لها. فبالتالي لو كنت مررت بهذه التجربة مبكراً، لا أظن أنني كنت سأستمع بالتركيز على علاقتي مع زوجي، بل سيكون الطفل القادم هو محور حديثنا!   وهو شيء جميل بالمناسبة، لكن في وقته!

ما قبل الحمل:

كنت اتساءل كثيرا عن مدى جاهزيتي لأكون أماً. وكما قالت لي زميلتي في الجامعة يوما ـ وهي أم لطفلين ـ : لن تكوني يوما جاهزة مهما قرأتي ومهما حضرتي نفسك، هناك دائما شيء جديد لم تقرأيه، وهناك الكثير مما لم تفعليه بعد.

كنت واقعة في مأزق متى يكون الوقت مناسبا، هل سأستطيع أن أخوض تجربة الحمل مترافقة مع دراستي ؟
لم أجد جوابا واضحا لهذا السؤال ..لكن أحدى الأخصائيات النفسيات كانت أجابت إحداهن وقد سألتها أن تساعدها في إتخاذ قرار انجاب الأطفال من عدمه! ـ وهو أمر ليس وارداً عنا اصلا نحنُ المسلمين-.

المهم، وجدت ضالتي في اجابتها، حيث قالت لها: ستندمين في كلا الحالتين. لربما ستكونين تشاهدين التلفاز في منتصف الليل وتمر لقطة لأم تحمل طفلها وتتمنين وقتها لو أن لديك طفل. أو ستكونين ساهرة طوال الليل مع طفلك المريض  وستتمنين وقتها لو أنك في السينما تشاهدين فيلما!
لكن أيهما ستندمين عليه أكثر؟

وما توصلت إليه في النهاية، أنه لن يكون هناك وقت مناسب ١٠٠٪. لكن هناك معايير يمكن أن تقود الإنسان في إتخاذ قراره. فبسؤال نفسي هذه الأسئلة سأعرف مدى جاهزيتي. هل ما أفعله الأن هو أولوية أولى في الحياة؟ يعني لو لم أستطع تكملته هل سيؤثر كثيرا على مستقبلي وحياتي؟

ثانيا وهو عامل وراثي، يقال أن حمل الفتاة يكون كأمها، طبعا هو شيئ لا يبنى عليه في النهاية لكنه يكون مؤشرا يساعد في اتخاذ القرار. هناك من الفتيات من يكون حملها ثقيلا صعبا يقعدها في الفراش فتضطر الى تخفيف نشاطها. وهناك من يكون حملها هينا لينا حيث تكمل حياتها بشكل طبيعي. ومن المؤكد أن كلاهما ستكون خيارتها مختلفة لأن وضعهما الصحي سيكون مختلفا! بالنسبة لي، قررت أن اخوض التجربة على أي حال في الاشهر الاخيرة من دراستي. والحمد لله مر الأمر بسلام لان حملي كان من الحمل السهل -كما والدتي ـ، وبسبب أنه كان الفصل الدراسي الاخير، فلم يكن هناك الكثير من المحاضرات وكانت ظروف دراستي  مريحة .

حسنا، بعد اتخاذ القرار بأن الوقت مناسب للأنجاب، يمكن عندها التوقف عن أخذ حبوب منع الحمل أو إيقاف أية وسيلة منع أخرى. وبالحديث عن حبوب منع الحمل، هناك الكثير من الكلام بأنها تسبب العقم. وقد قرأت كثيراً عن الموضوع وسألت طبيبتي ان كان لها أي تأثيرات على ذلك. حبوب منع الحمل لاعلاقة لها بالعقم هي فقط تؤخر ظهور المشكلة إن وجدت. وأيضاً من تأخذها عليها أن تعطي نفسها فرصة قد تصل الى 6 أشهر ليتخلص الجسم منها، ومن فتاة لفتاة يختلف الأمر، وهناك من تحمل بعد ان تتركها مباشرة!

بدأت بأخذ حبوب حمض الفوليك قبل شهرين من حملي وحتى الثلاث أشهر الأولى. ينصح الأطباء الفتيات بأن يبدأن بأخذه على الأقل قبل شهر من الحمل، والمثالي أن يتم أخذه قبل ثلاثة أشهر وحتى انتهاء الثلاث أشهر الأولى. حمض الفوليك يحمي الجنين من التشوهات ويقلل مخاطر التعرض للإجهاض [1] لذلك من المهم أن يتم أخذه.

IMG_0774

من الأمور المهمة أيضا، الرياضة. أي نوع رياضة كنت تمارسينه قبل الحمل، سيكون سهلا عليك الاستمرار به. طبعا عدا عن الرياضات التي يمكن ان يؤذيك السقوط منها كركوب الخيل والتزلج! وسأتحدث عن الرياضة بتفصيل أكثر لاحقا ان شاء الله.

لم أكن من الفتيات اللواتي يلتفتن عند مرور أي طفل امامهن. أنجبت أمي أخي الأصغر عندما كان عمري6 سنوات، وبذلك أيضا لم تكن قد أتيحت لي الفرصة لكي أجرب أمومتي عليه، فلا خبرة لدي مع الأطفال.

في الحقيقة، كانت لدي تصوريين متناقضين عن الحمل، ألاول جميل ورومانسي بأنني سأقرأ القصص لطفلي الذي في بطني وسأتحدث معه/ا. والثاني كابوس عن تعب الحمل وما يتبعه من تغيرات نفسية تؤثر على العلاقة الزوجية، عدا عن ما كنت اسمع عنه من تشققات تشوه الجسد وزيادة الوزن ..الخ. كما قلت مسبقا كابوس.

ما دفعني لكتابة هذه التدوينة التي أعتبر ما فيها “شخصي جدا” هي فكرة رئيسية الا وهي: أنتِ تستطيعين!
عندما تخطب الفتاة يقال لها استمتعي بفترة الخطبة، غدا ستكتشفين الواقع. عندما تتزوج وتكون حياتها جميلة، يعود السبب في ذلك الى أنه ليس لديها أطفال بعد، عدا عن سماعها لكلمات مثل : يلا انبسطي، بكرا بتيجبي ولاد وبتشوه جسمك، ضريبة الامومة! دائما هناك ما هو سيء قادم في الطريق.

لا اقول أن الحياة مثالية، لكني أود أن أنسف فكرة اننا كائنات “لا حول لنا ولا قوة”. وللأسف هناك دائما من يزرع الخوف والشك في نفوسنا. ويحتفظ بالجميل لنفسه بحجة ” الخوف من الحسد”.

ومن هذا المنطلق، أكرمني الله وتفضل عليّ بأن كانت تجربة الحمل بالنسبة لي تجربة ايجابية. وطبعا لم تكن كذلك لأنني كنت متمددة على السرير وأكل عن “اثنين”. بل كانت ايجابية لأن خطوة واحدة إيجابية تتبعها خطوات أخرى إبجابية بجهد أقل. وخطوة سلبية قد تتبعها خطوات سلبية.

إذا ما الذي جعل تجربتي إيجابية؟

هذا ما سأكمله في التدوينة القادمة إن شآء الله

* كل ما كتب هنا هو مبني على تجربة شخصية، دائما اسألي وأستشيري طبيبكِ/ طبيبتك

المصادر:
[1]: هل أحتاج إلى تناول حمض الفوليك خلال فترة الحمل؟

Advertisements
هذا المنشور نشر في Uncategorized. حفظ الرابط الثابت.

6 Responses to ما الذي جعل تجربتي في الحمل إيجابية؟ (١)

  1. آية شقيرات كتب:

    ملهمة جدا يا فداء ❤
    سلاسة في التعبير تضفي جوا من الصدق والمتعة في القراءة
    في طريقي لقراءة الجزء الثاني 🙂

  2. دعاء زيدان كتب:

    بنتظر الجزء الثاني فداء اعجبني السرد والصراحة المريحة 🙂 موفقة في حياتك
    ما في اجمل من امتلاكك لقرارات حياتك

  3. لميس كتب:

    اشكرك من كل قلبي يا فداء و الله كلماتك لا تتوقعي كم افادتني كشابة مقبلة على الزواج و تريد ان تفكر في هذا الاسلوب لكنها خائفة من العواقب التي قد تترتب عن هذا القرار و هذه تجربة جميلة منك
    يا ريت لو تدون كل التجارب الناجحة و تشارك بهذا الاسلوب لان ممكن تكون تدوينة واحدة تنقذ حياة شخص
    اسأل الله لك التوفيق و ان يحفظك لاهلك و يحفظهم لك و ييسر لك التربية لابتتك

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s